8- معالم على طريق تدبر القرآن الكريم

إن تدبر القرآن الكريم مقصد أساسي من مقاصد نزوله , فهو السبيل لفهم أحكامه ,وهو الطريق لبيان غاياته ومقاصده ,

فلا يفهم القرآن حق الفهم , ولا تعرف مقاصده وغاياته حق المعرفة , إلا با لوقوف عند آياته وتدبرها حق التدبر , لكشف ما وراءها من حكم ومعادن .

وفي السنة الشريفة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله , يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم : إلا نزلت عليهم السكينة , وغشيتهم الرحمة , وحفتهم الملائكة , وذكرهم الله فيمن عنده “ , فقد قرآن الحديث بين التلاوة والمدارسة , ورتب عليهما معا : السكينة والرحمة ورفقة الملائكة وذكر الله لقارئي كتابه .

ومع كثرة من يتلون القرآن الكريم – خصوصا في رمضان – فإن الكثير منهم لا يزال يتلوه دون تدبر ولا فهم , الأمر الذي أدى إلى تفويت المقصد الأساس الذي لأجله أنزل القرآن , ألا وهو العمل بأحكامه , و اتباع أوامره , واجتناب نواهيه .

ولعل الحديث عن كيفية التدبر وطرائقه تفصيلا أن يكون محله في غير هذا المصنف , فقد صنف فيه كثيرون من أهل العلم , ولكن لا بأس بأن نطوف بها على عجل , إشارة لمن أراد التذكرة , وهذه إطلالة على بعض المعالم المهمة التي تساعد على تدبر القرآن الكريم :

أن يكون التدبر هو الأصل عند القارئ:

فالتدبر هو الأصل في تلاوة القرآن الكريم , حتى عند من يريد الحفظ , فلابد أن يكون له ورد من التدبر مع الحفظ , لا أن يحفظ القرآن الكريم أولا ثم يبحث عن التدبر , فقد حذر ابن عمر رضي الله عنهما بالغ التحذير من هذا المنهج المعكوس بقوله : ولقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره وزاجره , وما ينبغي أن يقف عنده منه .

وكان هذا منهج النبي صلى الله عليه وسلم مع صحابته , فقد روي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال : حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن , كعثمان بن عفان , وعبد الله بن مسعود , وغيرهما رضي الله عنهما : أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوز وها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل , قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا , ولهذا كانوا يمكثون في حفظ السورة الواحدة مدة طويلة .

الاستعداد للتلاوة مراعاة آدابها :

ومن ذلك حسن اختيار المكان والزمان المناسبين , والتهيئة الذهنية والبعد عن المشغلات , أما آداب التلاوة , فكثيرة معلومة , لكن مجرد استصحابها قبل الشروع في التلاوة مما يهيىء القلب لاستقبال كلام الله , ومن تهيئة القلب كذلك : أن تكون تلاوة القرآن الكريم بعد طاعة أو قربة كصلاة فريضة , أو اغتناما للحظات قرب من الله جل وعلا , كمن سمع موعظة وتأثر بكلام أهل الصلاح والخير , أو وقعت له حاجته ألجأته إلى الله تعالى وهو على فتور .

استحضار أهمية الفهم والتدبر :

واستحضار عظم ثوابهما غير المرتب على الثواب الموعود على عدد الأحرف ,وهذا الاستحضار له فائدتان :

الأولى : عدم انشغال البال يفوت الثواب المرتب , الذي ينصرف له الذهن عادة عند التلاوة .

والثاني : جمع القلب على الانتفاع بما يتلوه اللسان , فيتواطان معا على التلاوة , فكأن اللسان يجمع الثواب المرتب على عدد الأحرف , والقلب يجمع الثواب غير المرتب بالتدبر .

العكوف على القرآن مع التأمل والتفكر في آياته :

التفكر والتدبر والنظر والتأمل يفتح لقارئ كتاب الله كثيراً من المعاني التي لا يمكن أن يكتسبها إلا من خلال ذلك .

ومن الأهمية بمكان تسجيل الخواطر والمعاني لحظة ورودها , أو بعد الانتهاء من ورد التلاوة مباشرة , مع الحرص على تطبيق كل آية تمر أثناء القراءة في الواقع العملي بعد ذلك , قال صلى الله عليه وسلم في بعض حديث رواه مسلم : والقرآن حجة لك أو عليك ,وهذا كله مما يعين على توارد آيات القرآن على القلب آناء الليل والنهار بعفوية وتلقائية , يقول مطرف بن عبدالله بن الشخير : إني لأستلقي من الليل على فراشي فأتدبر القرآن ,وأعرض عملي على عمل أهل الجنة , فإذا أعمالهم شديدة : { كانوا قيلا من اليل ما يهجعون } , { والذين يبيتون لربهم سجدا وقيماً} , { أمن هو قانت ء انآء اليل ساجداً وقآئما}, لا أراني فيهم , فأعرض نفسي على هذه الآية : { ما سلككم في سقر } فأرى القوم مكذبين , وأمر بهذه الآية : { و ء اخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صلحاً و ءاخر سيئاً} , فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا إخوتاه منهم .

الرجوع إلى كتب التفاسير المعتمدة :

والنظر إلى أقوال أهل العلم الواردة فيها , خصوصا لمن لم يسعفه نظره المجرد وتأمله في القرآن الكريم دون الاستعانة بها , فقد حوت تلك الكتب كثيراً من تفاسير السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم , كـــ (تفسير ابن كثير , والطبري

والقرطبي ) وغيرهم , فالرجوع إليها عون على تدبر آيات الكتاب وفهمه الفهم السليم .

ولا مانع من الاطلاع على التفاسير المختصرة , خصوصاً ما كان بهامش المصحف , وذلك لبيان كلمة غربية , أو تحديد معنى غامض , أو معرفة حكم خاص , كــ ( زبدة التفسير ) للشيخ محمد سليمان الأشقر .

معرة أسباب النزول :

وتعد من الأمور المهمة في تدبر القرآن الكريم , لأن نزول كثير من الآيات قد ارتبط بمناسبات ووقائع معينة , ومن المهم أن تفهم الآيات في ضوئها ليسهل تنزيلها على الواقع الحالي للمسلم , فالتاريخ يعيد نفسه , وتتداعى أحداثه ووقائعه في تشابه يكاد يكون كالتكرار .

تكرار الآيات – خصوصاً التي تلمس واقع القارئ – حتى يجد أثرها في قلبه :

وقد كانت هذه عادة السلف , يردد أحدهم الآية إلى الصباح , وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام بآية يرددها حتى الصباح , وهي قوله : { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك العزيز الحكيم } , فترديد الآية يسمح بتوارد معانيها على القلب , وتقليب الفكر فيها على أوجهها , مع وصل الآية بواقع تاليها , وإنزال حكمها عليه , كتاب الله وتدبرته , كدت أن آيس , وينقطع رجائي , فقال : إن القرآن كلام الله , وأعمال ابن آدم إلى الضعف والتقصير , فاعمل , وأبشر .

القراءة في الكتب المتخصصة في التدبر :

لأنها تطلع قارئها على تجارب سابقيه , وتحفز همته للحاق بركبهم , وتعطيه خلاصة ذلك , ومنها سبيل التمثيل لا الحصر :

*( القواعد الحسان لتفسير القرآن ) للشيخ عبد الرحمن بن سعدي

*( مفاتيح تدبر القرآن والنجاح في الحياة ) د. خالد بن عبد الكريم اللاحم

*(قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل ) لعبد الرحمن حبنكة الميداني

*( دراسات قرآنية ) لمحمد قطب

*(مفاتيح للتعامل مع القرآن ) د. صلاح الخالدي

تخلية من صوارف القلب عن التدبر

وهي كثيرة لكن أهمها:

*أمراض القلوب بأنواعها .

*الإصرار على الذنوب والمعاصي.

*العجلة وعدم الترتيل عند التلاوة .

* حصر معاني الآيات المتلوة في الذين نزلت فيهم كالمنافقين أو الكفار .

* قصر الخشوع والتفكر على آيات العذاب والوعيد .

روى أبو نعيم الأصبهاني في الحلية بسنده قال : حدثنا سفيان بن عيينة قال , قال عثمان بن عفان له : لو أن قلوبنا طهرت ما شبعت من كلام . وقال عثمان : ما أحب أن يأتي علي يوم ولا ليلة إلا أنظر في كلام الله يعني : في القرآن في المصحف .


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s