10-قِصَصٌ مُعَاصِرَةٌ وَقَعَ لأَصْحَابِهَا تَدَبُّرٌ في القرآن الكريمِ وَعِظَةٌ بِآيَاتِه

لقد تأثر سلفُنا الصالحُ بآيات الله، وكانوا حديثي عهد بنزو ها، وكان القرآن

قد نزل لتوِّهِ غضًّا طريًّا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يحيا بالقرآن بين أظهُرِهِم. ولكن

القرآن الكريم الذي أخرج لنا تلك النماذج المشرقة من سلف الأمة العظام؛ لم يفقد

قدرته على التأثير على قارئيه في زماننا، ولم يُعدَم مِن أهله مَن يتلوه حق تلاوته؛

ويستخرج منه كنوزه، ويستلهم منه توجيهه، ويسير على خطاه وهديِهِ.

وهذا سردٌ لمواقف وقِصص من الواقع الحديث؛ تحدث بها أصحابها في بيان

حالهم مع القرآنِ تدبرًا وعملا، وكيف كان أثر ذلك في تحولهم من الضلال إلى

 الهداية، ومن اتباع الشهوات والأهواء إلى الاجتهاد في عبادة رب الأرض والسماء،

وكيف زالت الأكِنَّةُ التي كانت تُغطِّي عقولهم وقلوبهم فاستشعروا أحوالا وقربًا لم

يكونوا بالغيها من قبلُ؛ رغم مرورهم على تلك الآيات مرارًا وتكرارًا، فتالله لقد

أثمر ذلك في قلوبهم حلاوةً وإيمانًا لا يجدهما إلا من عاش مع القرآن كما عاشوا،

وتدبره كما تدبروا!

وسأسرد قِصصًا دون ذكر أسماء كاتبيها؛ فالعبرة بالقِصص لا بأسماء أصحابها..

**(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ)

هذه امرأة لم يرزقها الله ذرية، مَرَّت على ما استطاعت الوصول إليه من الأدوية الطبية والشعبية بلا فائدة، وكان زوجها ذات يوم يتحدث مع إمام المسجد فقال

له: مل لا تقرأُ سورة نوح بحضورِ قلبٍ، وتستغفرُ ما استطعت من الاستغفار؟ِِ

قالت: فجاء زوجي وأخبرني بذلك، ثم قال: ما رأيُكِ أن ننفذ هذه الوصية؟

فرحبتُ بما قالَهُ، وقرأنا سورة نوح بتدبر، وفيها قوله تعالى(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10)يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً (12) ) (، وأكثرنا الاستغفار والدعا ء بإلحاح، وما هي إلاأشهرٌ حتى بدأتُ أشعر بأعراض الحمل، وذهبتُ إلى الطبيبة وكانت النتيجة أني حامل .

**(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ)

تحدث الدكتور عامر رضوي الطبيب المشرف على متابعة الشيخ ابن عثيمين

في مرضه؛ عن آخر ساعة في حياة فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين فقال:

كان يقرأ القرآن الكريم، وكان يغيب عن وعيه ثم يُفيق، ثم دخل في غيبوبة،

وبعدها بساعة انتقل إلى جوار ربه الكريم، وقد سمعته يتمتم لصعوبة حالته

الصحية في لحظات إفاقته، وعندما سألتُ أبناءَه عما يتمتم به الشيخ ذكروا لي بأنه

كان يقرأ قوله تعالى ): إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ).

**تَجْرُبَةُ مُعَلِّمَةِ الأطْفَال

كنتُ أعمل مُعلمة لمرحلة الروضة والتمهيدي، وبدأتُ بعدها بخمسِ

سنواتٍ أعتني بمعاني القرآن الكريم، وأتدبرُ قصار السور، وأربطُ الآياتِ بواقعي

وواقع تلميذاتي، واستعملتُ مفاتيحَ التدبرِ العشرة الواردة في كتاب د.خالد بن عبدالكريم اللاحم؛ فوجدت الفارق كبيرًا في نفسي وصغيراتي…

كنت أقرأ السورة في المنزل لنفسي وبترتيل وتمهل، مع الرجوع إلى ما تيسر من

كتب التفسير؛ فوجدتُ الأثرَ ينعكسُ بلا تكلف عليِّ وعلى صغاري، وها هم قد

تعايشوا مع الآيات وانفعلوا بمدلولاتها، وقد لمستُ التغيير في نفسي وشخصيتي

بهدوء أعصابي وراحة بالي في بيتي ومع أولادي وبناتي داخل الحلقة وخارجها، كما

لمست السكينة وا هدوء والصبر على الأطفال، فلم يعد يعتدي بعضهم على بعض

كما كانوا سابقًا.

لقد كانت أعمارُهم ما بين الرابعة والسادسة، وكنت أظن أن إدراكهم لمفهوم

التدبر وتأثُّرهم به أمرٌ صعبٌ وبعيدُ المنال، ولكني فوجئت بأنهم يستوعبون

ويتجاوبون بشكل كبير جدًا، كما تحسن وضع القراءة داخل الحلقة، وتحسن

الانضباط، وزاد ثبات الحفظ، وكنت أظن أن القراءة بصوت عالٍ – كما اعتدنا –

تساعد على الحفظ، فلاحظتُ العكسَ: أن القراءة بترتيل وتَرَسُّلٍ تجعل الطالبات

أكثر تفاعلا مع الحفظ، فأين كنتُ من هذا الخير منذ زمن بعيد!؟.

ولا أنسى أن أوصي أَخَوَاتي المعلمات أولا بالإخلاص لله، وأدعوهن إلى الصبر

والاحتساب في العمل، وأذكِّرهن أنه لابد من بذل الجهد في ربط الآيات بالواقع،

ومراعاة أن الصغار لديهمُ القدرة على استيعاب أشياء لم يكن من الممكن استيعابها

فيما سبق، وكلما صَدَقَ القصدُ وبَذَلَ الإنسانُ كل ما في وسعه جاء الحصادُ وفيرًا بإذن الله .

**تجربة شخصية

عندما أود الاستمتاع والانتفاع بكلام ربي؛ أجلس في مُصلايَ بعد إحدى

الصلوات المكتوبة، وأختار صلاةً ليس بعدها شغل لكي يكون ذهني فارغًا من

الشواغل، ثم أقرأ الآيات بترتيل، وإذا مررت بآية لا أعرف معناها أنظر إلى هامش

مصحفي المفسر ، وإذا عرفتُ معناها وتأثرت بها كررتها حتى تدمع عيني ويَرِقَ

قلبي، ثم أعرضها على حياتي وأسأل نفسي: هل عملت بها يا نفس؟ وإذا أغلقتُ

المصحف وجلست إلى زوجي أو أحد أبنائي قرأتها عليهم، فيشاركونني التأمل

فيها، وهكذا حتى لا أكاد أنساها، نفعنا الله بالقرآن العظيم آمين.

**رؤية شاملة للسورة

تجربتي مع التدبر كانت من خلال تدريسي لحلقة القرآن الكريم في سكن الطلاب بجامعة الملك سعود، فقد شرحت من سورة الفاتحة إلى الأنعام مع حزب المفصل، ثم تخرجت فلم أكمل! كانت لي طريقة تعتمد على تكوين رؤية شاملة عن السورة وما المطلوب مني فيها، وتحديد ذلك باستخدام الخرائط الذهنية، ثم تجزيءالسورة إلى مقاطع حسب المعنى، مع مراجعة أمهات الكتب الموثوقة في التفسير.

**جمعهن التدبُّر!

نحن مجموعة من الجارات جمعتنا الأخوة في الله، وجمعنا السكن في نفس الحي،

وقد حضرنا دورةً في تدبر القرآن الكريم ألقتها إحدى الداعيات في دار التحفيظ

التابعة للحي، وتأثرنا جدا بهذه المحا رة، وأدركنا مدى إهمالنا لكتاب الله، وأهمية ض

تدبره، ومدى أثره في ترسيخ الإيمان بالله والعبادة، وعلى السلوك والتعامل مع

الناس، وتعاهدنا على أن نتدبر القرآن الكريم معًا.

بدأنا نعقد جَلسَةً أسبوعيةً كل يوم سبت في دار التحفيظ، من بعد صلاة العصر حتى أذان المغرب، وكان ترتيبُنا أن نتدبر ثلاثَ صفحاتٍ أسبوعيًا، على أن

تعود كل واحدة منا إلى كتب التفسير التي وزعناها فيما بيننا، ثم نقف عند كل آية

ونراجع ما قيل في كتب التفسير ونعلق، ونتفكر في الآية من جميع جوانبها، مراعين

بذلك خطوات التدبر التي تعلمناها من المحا رة، وكانت تعتمد على السؤال ض

والعصف الذهني وربط الآيات ببعضها، والانتباه إلى تذييل الآية، ومناسبته للآية

السابقة واللاحقة، وعدم الخوض في تفاصيل أغفلها القرآن الكريم لحكمة بالغة،

وغيرها من الخطوات…

**ميلاد جديد

كان ميلادي في السادسة عشرة من عمري!!

كان ذلك في ليلة من ليالي الصيف وبعد العشاء في بيت أخي الأكبر، إذ جلسنا

في فناء داره وعلى ضوء أنوار أعمدة الشارع في ليلة لا أنساها أبدًا، وكان أخي

يحدثنا عن الجنة ونعيمها، وأخذ الحديث بمجامع قلبي وكأني أسمعه لأول مرة،

بل ربما فعلا أسمعه لأول مرة، فقد كنت في غفلة مُطبِقَةٍ، وسألت أخي: أين أجد مثل هذا الكلام الجميل؟ فأشار إلى مكتبته الخاصة، ونظرت إلى الكتب في حيرة:

أيها أختارُ؟ّّ

ولا زِلتُ أتعجبُ إلى اليوم كيف وقع اختياري على كتاب )إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان( لابن القيم، مع كتابه الآخر )الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء

الشافي(، وكتاب ثالث هو أحد أجزاء )الترغيب والترهيب( للمنذري.

أخذتها وذهبت إلى المنزل، وظَللتُ أقرأ وأقرأ وتأثرت كثيرًا، وتولدت لدي الرغبة الشديدة في حفظ القرآن الكريم، حيث لم يكن معي منه وأنا في السادسة

عشرة إلا بعضٌ من قصار السور مع ضعف في حفظها!! وبدأت الحفظ فعلا، إلا

أنني شعرت بالحاجة المُلِحَّةِ إلى فهم آياتٍ كنت أقف عندها متسائلة عن معناها

ودلالتها، وهنا بدأت مسيرة حياتي الجديدة حينما أمسكت كتب التفسير وبدأت

أقرأ بفهم وتأثر، كنت أقرأ كثيرًا في تفسير )جزء عمَّ( وأنا خالية وأبكي، كنت

أعيش الآيات بتفاعل وأشعر أن الروح تسري في قلبي، وقبسَ النورِ يُشِعُّ في

نفسي، ويزداد يومًا بعد يوم، إنه الحقُّ في قول الحق سبحانه وتعالى : ((أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا..)

وعرفت طعم الحياة الحقيقية يوم عرفت ربي من خلال تدبر كلامه، فأحببته

وآثرت محابَّه على كل شهواتي، فأقبلت على الصلاة والصيام والقرآن والقيام به

والقراءة في الكتب النافعة، وتركت سماع اللهو ومتابعة الأفلام، وكل ما يمكن

أن يمارسه من نشأ في أجواء الغفلة والبعد عن القرآن والعلم الشرعي، وكنتُ كلما

مررت بآية تؤثر في قلبي فتحت كتب التفسير لأفهمها، ثم أكتبها في دفتر أو في

ورقة أعلقها أمامي في مكان بارز.

**أهل الرجاء والخوف

كُنتُ دائما ما أتأمل كيف امتدح الله سبحانه وتعالى أهل الرجاء والخوف في كتابه، كما في قول الله تعالى: تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا …) فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنًا، والخوف يستلزم

الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطًا ويأسًا، وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله

تعالى، فإنك إذا خِفته هربت إليه.

ومنها أيضا قوله تعالى:  (أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) قلتُ: سبحان الله! هم يبيتون ساجدين وقائمين ومع ذلك

يخافون الآخرة ويرجون رحمة ربهم؛ لأنهم يشعرون أنهم لم يعملوا !فتأملوا كيف

ذَكَرَ تعالى خوفَهم ورجاءَهم مع إتيانهم بهذه الطاعات.

وبكذا الحمدلله أكون انتهيت من مشروع قد رسمته منذ البداية في تحقيقه للتدبر أسال الله التوفيق والسداد ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s